سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الفن التشكيلي بين الحضور والغياب في المجتمعات

أحمد يوسف –
         يقول أرسطو “ليست مهمة الفن تقديم الشكل الخارجي للأشياء، وإنما تقديم المدلول الداخلي لها”، وأقول “الفن مرآة  الإنسانية، وصور للبشرية باختلاف حالتها، من خلاله يُعبّر الإنسان عن ذاته وفكره وتطلعاته و يظهر الجمال الخفي للأشياء والحياة “.
        يعتبر الفن التشكيلي أحد الوجوه المُعبِّرة عن الحضارات، وانعكاس لثقافة الشعوب واحتياجاتها أيضاً، كما أنه لغة عالمية يفهمها الجميع ويتذوقها كل إنسان بطريقته الخاصة.
        عربياً بدأ الفن التشكيلي يأخذ بالظهور منذ بداية القرن التاسع عشر عن طريق استيراد طرق ونماذج من الفنون الغربية ومحاولة زرع تجاربها في البيئات الشرقية وإدخالها إلى المؤسسات التعليمية العربية بما يتناسب مع الواقع العربي. ولا يخفى على الجميع وجود هِوة بين الفنان والمتلقي وبين الفن والمجتمع  لأسباب عديدة منها تاريخية، دينية، ثقافية، نظام التعليم، الأمية، الحروب المدمرة، السلطات وغيرها، بالإضافة للبنية التركيبية للمجتمعات العربية ونظرة الشعوب إلى الفن على أنه من الرفاهيات والكماليات ولا تراه جزءاً أساسياً من الحياة والمتطلبات الحسية والذوقية.
        بالإضافة أن الفئات التي تهتم بالفن واقتناء اللوحات الفنية فئات معينة من المجتمع ؛ كما إن العامل المادي يلعب دوراً أيضاً  فالفن يحتاج إمكانيات مادية ومكانية ومواد وتوافرها  ليس بإمكانية الجميع، أيضاً الإنسان العربي الذي يجري وراء رغيف خبزه لن يكون مهتماً بشراء اللوحات والمقتنيات الفنية. وإن التَّشكيل السُّوري يتميّز بالغنى والتَّنوع والحيويّة، لكنّه لم يكُن سوى صدى لتقنيات فنون الغرب، ورغم ذلك فإننا  نكتشف مع إطلالة كل موسم تشكيلي، تجارب فنية مميزة لأسماء جديدة لم نكن نعلم عنها شيئاً، الشيء الذي يؤكد غنى وتنوع الطروحات الحديثة المتداولة في الفن التشكيلي السوري المعاصر.
         وإذا حاولنا تحليل ورصد الاتجاهات الفنية في نتاج الأجيال المتلاحقة، فإننا سنخرج بانطباعات سلبية عديدة جوهرها، أن الفن التشكيلي السوري، والعربي، لم يكن في كل مراحله المتعاقبة سوى صدى لمعطيات الفن الأوروبي الحديث والمعاصر.
         فلا شيء جديد يمكن التماسه في سياق تحليل التجارب الفنية المعروفة في سورية سوى بعض الإشارات، التي تتوالد من سياق الاختبارات التقنية، على أساس أن التعامل اليومي مع تداعيات التلوين التلقائي، لا بد أن يزيد من درجة الإحساس، وبالتالي لا بد أن يكشف عن حرارة ذاتية خاصة (ولو بدرجة محدودة ) في نسيج السطح التصويري من خلال اللون والخط وتكوين التشكيل العام.
         وهذا يعني أن الأجيال الفنية المتعاقبة في سورية كانت ولاتزال تتفاعل مع الاتجاهات الانطباعية والتعبيرية والوحشية والتكعيبية والتجريدية وغيرها من المدارس الفنية الأوروبية، رغم أن هذه الأساليب قد استُنفِذت وتجاوزها الزمن منذ سنوات طويلة ولا سيما بعد ظهور التيارات الجديدة في الفنون اللا تصويرية (التركيبية وأعمال التجهيز المنفذة بواسطة الليزر والكمبيوتر وغيرها) وما رافقها من انقلابات مفهومية في استخدام المواد والعناصر والتقنيات المختلفة.
         هكذا عُرِفت الحياة التشكيلية السورية في مساحتها الضيقة، التي لم تكن تتعدى المحترفات المحدودة الموزّعة في بيوت الفنّانين في الأربعينيات والخمسينيات، مجموعة قليلة من الفنانين المحدثين الذين عبّروا في لوحاتهم عن الواقع. ومن هنا علينا الانتباه إلى النهوض بالفن التشكيلي وإخراج فن ينافس الفن العالمي ويأخذ طابعه الخاص غير التقليدي.