سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

قضية المرأة في مجتمعِ الشرقِ الأوسط

عبد الله أوجلان –
إنَّ تقييمَ القضايا التي تَحياها المرأةُ أولاً في المجتمعِ ضمن أبعادِها التاريخيةِ – الاجتماعيةِ يتحلى بالأهمية. فقضيةُ المرأةِ هي منبعُ كافةِ القضايا. إذ نُلاحِظُ أنَّ هرميةً رجوليةً (النظام الأبوي) مسيطرةً وصارمةً قد تمأسسَت على المرأة، حتى قبلَ العبورِ إلى المجتمعِ الطبقيِّ والدولتيّ. وتم اللجوءُ إلى الكثيرِ من الصياغاتِ الميثولوجيةِ والدينيةِ كذريعةٍ لحاكميةِ الرجل. ومَلحَمَةُ إينانا، إلهةُ أوروك، هي انعكاسٌ لهذه المرحلة. حيث تَنصُّ الملحمةُ المذكورةُ على الشعورِ بالحنينِ العارِمِ للطبيعةِ وللإلهةِ الأُمِّ المقدسةِ القديمة. ومثلما يُلاحَظُ في الملحمة، فإنّ المرأةَ تَئِنُّ من حِيَلِ ومَكرِ وجُورِ الرجولةِ الحاكمةِ ضمن نظامِ الهرميةِ والدولةِ البطرياركيّ الذي أُقحِمَت فيه. والواقعُ المُعاشُ في هذه الوجهةِ أكثرُ وضوحاً ولفتاً للأنظارِ في مَلحَمةِ بابل (النزاعاتُ بين ماردوخ، إله بابل القدير، وديامات، الإلهة الأنثى). هذا ويُذكَرُ في الميثولوجيا السومريةِ أنَّ المرأةَ خُلِقَت من ضلعِ الرَّجُلِ الأعوج. إنه تَعبيرٌ رمزيّ. ويستمرُّ هذا التعاطي في الأديانِ التوحيديةِ أيضاً. فالمرأةُ التي دخَلَت الزقوراتِ السومريةَ كإلهة، قد خَرَجَت منها كعاهرةِ المعبد. حيث يُفتَحُ أولُ بيتِ دعارة في المدائنِ السومرية، وتُرَفَّعُ المرأةُ من مرتبةِ عاهرةِ المعبدِ إلى جاريةِ القصر. كما أنها مادةُ عبوديةٍ لا غنى عنها في الأسواقِ التجارية. بينما باتت عبدةَ شؤونِ المنزلِ فحسب في المدنيةِ الإغريقيةِ – الرومانية، ولا مكانَ لها في السياسة. أما في المدنيةِ الأوروبية، فهي أداةٌ جنسيّةٌ تابعةٌ للرجلِ بالتعاقد. وفي المدنيةِ الرأسماليةِ هي عاهرةٌ كونيةٌ عمومية. هكذا اكتسَبَ التاريخُ بُنيةً ومعنىً جنسوياً عبر سيطرةِ الرجل، ليسيرَ التاريخُ بعدَها ذَكَراً.
ينعكس تأنيثُ المرأة (أي عبوديتَها) كما هو تسلسلياً على المواضيعِ والوسائلِ الرجوليةِ في المجتمعِ المُستَغَلِّ والمُعَرَّضِ للقمعِ والاضطهاد. فبينما تنتقلُ الزمرةُ الفوقيةُ السياسيةُ والعسكريةُ والرهبانُ في المجتمعِ إلى مرتبةِ الجنسويةِ الحاكمة، فإنّ الشرائحَ التحتيةَ المحكومةَ تُستَأنَثُ تدريجياً. يُدَرَّبُ الرجلُ في المجتمعِ الإغريقيِّ – الرومانيِّ بسلوكياتٍ جنسويةٍ بالغةِ التركيزِ بدءاً من عمرِ الشباب. هكذا تَستَفحِلُ الانحرافاتُ الجنسيةُ بنطاقٍ واسعٍ على مرِّ عصورِ المدنيةِ حصيلةَ التعامُلِ الجنسويِّ إزاءَ المرأة. بالتالي، وبقدرِ ما تَغدو المرأةُ عَبدة، فالرجلُ العبدُ أيضاً يصبحُ بالمِثلِ امرأةً أو زوجةً خانعة.
ولدى إضافةِ القضايا الناجمةِ عن أجهزةِ القمعِ والاستغلالِ الرأسماليِّ الراهنِ أيضاً إلى تلك القضايا ذاتِ الجذورِ التاريخية، يغدو لا مَهرَبَ للمرأةِ من عيشِ حياةٍ يَسودُها الكابوسُ المُرعِبُ حقاً في المجتمعِ الشرقِ أوسطيّ. فأنْ تَكُونَ امرأةً ربما يعني أنْ تَكُونَ إنساناً في أحلَكِ الظروفِ وأَعسَرِها. ذلك أنَّ أَشَدَّ درجاتِ القمعِ والاستغلالِ الفظِّ الذي يعانيه المجتمع، يتم تطبيقُها على جسدِ وكدحِ المرأة. أما كونُ المرأةِ أيضاً إنساناً، فيتم إدراكُه حديثاً. لقد حانَ وقتُ تَخَلّي التعامُلِ الجنسويِّ المتصلبِ الذليلِ عن مكانه للحاجةِ إلى البحثِ عن صديقٍ ورفيق. أو يَدُورُ جدالُ ذلك على الأقل. ينبغي المعرفةَ أنه يستحيلُ عيشُ حياةٍ ثمينةٍ ذاتِ معنى، ما لَم يتحققْ عيشٌ سليمٌ مع المرأةِ ضمن المجتمع. علينا صياغةَ أقوالنا وتطويرَ ممارساتنا بالإدراكِ بأنّ الحياةَ الأثمنَ والأجملَ يمكنُ تحقيقُها مع المرأةِ الحرةِ المتمتعةِ تماماً بكرامتِها وعِزَّتِها