سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الميسوجينية ….إلى متى؟

لينا بركات –

عندما تذكر كلمة عنف أول ما يتبادر إلى الذهن الشكل التقليدي للعنف المُطبق على المرأة من قِبل الرجل والمجتمع والتربية وغيرها من أشكال العنف، وقلما نجد أحد يتحدث عن العنف الممارس من المرأة نفسها تجاه بنات جنسها والذي يسمى كمصطلح “الميسوجينية”، والذي يعني ازدراء النساء وهو جزء من العنصرية الجنسية، وسبب رئيسي وهام لاضطهاد النساء في المجتمعات الذكورية.
والميسوجينية تعتبر بمثابة نظام فكري وأيديولوجي صاحبَ المجتمعات الأبوية منذ آلاف السنين وعلى سبيل المثال لا الحصر نرى بأنه نمت ثقافة حب إنجاب الذكور في مجتمع ما عند المرأة  كرهاً ظاهرياً لإنجاب الإناث، بمعنى أن ثقافة المجتمع تجبر المرأة على كره ما تحبه بل وتنتقد المرأة التي تنجب الأنثى، إلا أنه عادةً لا يصنف على أنه عنف ثقافي لأن خطورة هذه الثقافة تتعدى العنف الثقافي إلى نوع آخر من الممارسات التي تمارس ضد المرأة ضمن المجتمع الذي تنتشر فيه تلك الثقافة، حيث انتشرت مقولة المرأة عدوة المرأة.
و من مظاهر هذا العداء مثلاً، حين تعلن نتائج فرز الأصوات في الانتخابات العامّة ليرى الجميع، كيف اختارت النساء رجالاً في المجالس التمثيلية وخذَلَتْ المرشّحات. كما تردّدها امرأة توقّعت دعماً من نساء في إطار مؤسسة تعمل فيها، مثلاً، لكن لم تلقَ منهن سوى الإهمال والعدائية. ناهيك بروايات غيرة مؤذية تنتاب النساء من أخريات حصلن على مكاسب كنّ يرغبن فيها ومن مظاهر عداوة النساء لبنات جنسهن، أيضاً، ذلك الكره الذي يرشح من العلاقة بين الأم وابنتها. فالأم التي عانت من كونها أنثى في مجتمعات وثقافات أبوية تميّز ضدّ النساء، هذه الأمّ تمارس التمييز نفسه ضد ابنتها وبشراسة تفوق أحياناً شراسة أبيها، بل هي تعمل على تربية ابنتها على قبول ذلك التمييز وعلى تربية أخيها على ممارسته ضدّها.
الباحثون في الأصول البعيدة لهذا العداء يعزونه إلى نوازع قديمة تجد جذورها في أجواء “الحريم”، الذي تضجّ رواياته بالمكائد التي تنصبها بعض النساء لبعضهن الآخر في سياق التنافس على الحظوة لدى صاحب السلطة ولكنه كرهٌ قائمٌ، أيضاً في واقع مجتمعاتنا.
والتحليل النفسي جاهزٌ أبداً لتأويل عميق لكل ما هو “غير منطقي” في عداء النساء بعضهن للبعض الآخر. فهذا العداء يجد أصوله لدى فرويد، في كره الفتاة الصغيرة لذاتها الناقصة أساساً، لكنها أسقطته بشكل لا واعٍ على أشباهها من الإناث في الصغر والنساء في الكبر.
إن الشك في عمومية مقولة “المرأة عدوّة المرأة”، لا يُفضي إلى استبعاد صدقية شكاوى النساء الشائعة عن عداء النساء لهن، بل القبول باحتمال كون ذلك العداء خاصية نسائية، فالشك واستبعاد اليقينيات هما من مبادئ المقاربة النسوية لـلمعرفة.
 فالنسويات منّا محتاجات دائماً، إلى نظارات أوفر نفاذاً وإلى آذان أكثر تلقّياً وإلى استعدادات نفسية تجعلنا أقلّ انتقائية تسمح جميعها بأن نكون أكثر تعاطفاً مع النساء، من دون استثناء اللواتي يصرّحن بأنهن مواضيع عداء من نساء. النظارات والآذان والاتجاهات التعاطفية تسمح، كلها أو بعضها، بسبر أغوار المشاعر والتصورات المرافقة للعداء المعبّر عنه من أجل تظهير أسبابه، لفرز الواقعية من هذه الأسباب من الأخرى المتخيّلة فيتمّ التعامل الواقعي مع الأولى وتوضع الثانية في متناول الفهم والترميز تمهيداً للتعامل معها، هي أيضاً واقعياً.