سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

نهاية مرحلة الأمومة ـ2ـ

حنان عثمان –
مع ولادة الحضارة السومرية، والتي تعتبر إحدى أقدم الحضارات التي ظهرت في العالم، وعلى الرغم من أنَّ السومريين سبقوا الحضارات البشرية في الكثير من الإبداعات كالكتابة والشعر والملاحم الأدبية والعلوم والموسيقا، وإقامة المدن بمفهوم المدينة، وتأسيسهم أولى المدارس والتي أسموها «بيت الألواح» في الفترة من 2300 ق.م، إلا أنَّه في تلك المرحلة عينِها ترسَّخت عبودية المرأة.
بدأت هذه المرحلة عندما تعرَّضت ثقافة الآلهة الأنثى، وكل مدلولاتها ورموزها من هياكل ومثيولوجيا للعدوان والتهميش والتشتُّت، وبظهور الملكية الخاصة وانقسام المجتمع إلى طبقات وولادة الدول في التاريخ، تضاعفت هيمنة الرجل في المجتمع بكلِّ جوانبه السياسية والاقتصادية، وانعكست هذه التغيرات بشكل وثيق على وضع المرأة الاجتماعي. وبدأ كلُّ ما كان يعود في الماضي للمرأة من جماليات، وكل ما يحمل لونها وطابعها بالتلاشي والتواري من صفحات التاريخ.
وبدأ الرجل ببسط نفوذه على جوانب الحياة كافة مُجسداً ثقافته المتمثلة بالمكر والخداع وتشويه الحقائق والوقائع. حيث استولى الملوك الآلهة على صلاحيات وامتيازات المرأة كافة، بعد أن أنزلوا كل القوى والسلطات الإلهية من السماء إلى الأرض، ليشرعوا بعدها لشن الحروب والمعارك بهدف التوسُّع والانتشار.
وهكذا تكرست الهيمنة الذكورية على أنقاض عهد الآلهات فاضمحلَّ تأثير الآلهة الأم كرمز «للحياة والإبداع» وبدأ زمن الآلهة الذكور، وحلت السلطة الأبوية محل سلطة المرأة في مرحلة الأمومة، وحول الرجل إرادته إلى إرادة مطلقة لا تقبل الجدل، وأرغم المرأة على الدخول تحت وصاية الأب أو الزوج، بهذه الطريقة تلاشى تأثير المرأة المعنوي وضُيِّق الخناقُ عليها بجعلها تعيش في الأسرة الأبوية كملكية خاصة تورث مع الإرث.
السومريون تعاملوا معاملة غير عادلة وقاسية جداً مع المرأة. فكان يحق للزوج أن يبيع زوجته وأولاده إذا ما أرهقه الدين، كما كان يحق له قتلها غرقاً إذا لم تنجب، وكان يستطيع أن يطلقها بسبب أو بدون سبب أو يتزوج عليها، أما إذا أرادت هي الطلاق فكانت تُقتل!
أما الآشوريون فهم من أقدم الشعوب الدينية التي أخضعت النساء للحجاب وكان يتضمن ستر الرأس والوجه. وهذا ما أكدته الحفريات المكتشفة، حيث تم العثور على لوحات طينية تتكلم بشكل تفصيلي عن الحجاب وقوانين أخرى تفرض على النساء اللواتي لا يرتدين الحجاب.
جسَّدت أولى النظم القانونية الرجولية والتي تعرف بـ «قوانين حمورابي» في الامبراطورية البابلية، وبذلك تم التصديق على عبودية المرأة قانونياً، وتجريدها من حقوقها في الملكية والإرث كافة. هذه كانت خطوة مهمة في العبودية الجنسية والطبقية، حيث فتحت باب السلطة المطلقة للرجل، هذه السلطة الموازية لسلطة الرب، وضمت هذه الدساتير المسنة أحكاماً جزائية مجحفة للغاية بحق المرأة تحت اسم حماية مؤسسة الأسرة بشكل خاص.
وهكذا أصبح عصر العبودية نقطة البداية لاغتراب المرأة عن ذاتها، بعد أن سُلب منها ميراثها، فجُردت من قوتها وقدراتها وقدسيتها، وبيعت في سوق النخاسة، ليس هذا فقط، بل غدت المرأة المسؤولة الأولى والمذنبة الرئيسة لأنَّها هي التي حثَّت آدم على ارتكاب الإثم. وتم إضفاء صفة الشرعية على ارتقاء وكمال الرجل بشكل جلي في الميثيولوجيا والدين.