سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

رحلتي إلى عفرين ـ1ـ

حنان عثمان –
الحرب على الكرد أعنف الحروب في العالم لأنها تمارس بكل السبل والوسائل، تمارس فيها كل أنواع الإبادات بحقهم، من الجسدية والثقافية والاقتصادية، تنتج معها كل أنواع الكوارث بكل الأشكال والأحجام والمقاييس، تعرَّف معظم أبناء الشعب على طبيعة الفقدان والآلام بشتى أنواعها. هذه الحرب التي شرَّدت الآلاف ويتَّمت الأطفال ورمَّلت الكثير الكثير من النساء.
الحرب على عفرين كانت بشعة، لا تصفها جموع الكلمات، ولا عشرات الكتب، لأن الحرب في أيّ بلد تهدّد الحياة، وعندما يقف الإنسان بين الحياة والموت تظهر حقيقته بشكلٍ كامل.
تعرّفت خلال رحلتي إلى عفرين على أشخاصٍ عشتُ معهم حكايةً بين الحلم والواقع، أدّت إلى نهايةٍ مؤلمة وغير متوقّعة. على مدار أيام تواجدي في عفرين، كنا نسمع دويّ القصف التركي جوّاً وبراً، وصدى اشتباكات المقاومين التي كانت ملحوظة للعالم أجمع، والتي استبسل الشعب فيها بمواجهة واحدةٍ من أعتى جيوش العالم، وأزيز الطائرات التي كانت تحوم في الأجواء بلا توقف راصدة المشهد على الأرض إيذاناً بالقصف الجديد، علاوة على التفجيرات التي كانت تجري في مناطق التماس بين المقاومين والمرتزقة.
في شقة جميلة ليست ببعيدة عن مشفى عفرين كنت أنا وزميلاتي اللبنانيات نقيم. استيقظت على صوت قوي يضرب على الباب، نهضت كالبرق متوجهة نحوه، كانت الرفيقة فاطمة بعد أن ألقت علي تحية الصباح، طلبت مني التوجه لحضور مراسم تشييع عشرين شهيداً قضوا ليلاً في سبيل الدفاع عن حصون المدينة.
بحر بشريّ، حول جثامين بعض الشهداء تُحلِّق أرواحهم عالياً وجراحُهم تُزهر طُهراً يواسي جراح قلوب ذويهم بعد هذا الفراق. فراقٌ يخفف وطأة الألم حين يكون سببه الشهادة، ولكن يبقى القلب الإنساني يتساءل «بأي ذنب يتم قتل هؤلاء الشباب والصبايا؟».
لفّ نعوش الشهداء بعلم سوريا الديمقراطية، وكل الأهالي أصرّوا على الحضور ومشاركة بعضهم بدموعهم، وتخفيف ألم جراح الفَقد المرير.
مررت أنا وزميلتي الفلسطينية سعاد من داخل مشفى عفرين، حيث طاقمهم الطبي الذي كان يجري العمليات والخدمات الطبية تحت ضغطٍ شديد يفوق الطاقة الاستيعابية للبنية التحتية الصحية في هذه الرقعة المحاصرة من الأرض والتي لا يمكنني أن أنسى هذه المشاهد ما حييت! من سماع أنين وآلام الجرحى المصابين بإصابات بالغة البشاعة جراء القصف التركي العنيف، والصورة الأكثر حزناً والتي وضعتني بين آهات الحزن والوجع عند رؤيتي تلك الأم التي اغتسل وجهها بدموع فقيدها وفلذة كبدها وهي تضرب بكلتا بيديها الباب الحديدي لمستشفى عفرين، متوسلة بالسماح لها بالدخول لرؤيته، كانت تصرخ بأعلى صوتها وهي تقول: «أريد أن أضع القليل من الحنة على أنامل صغيري، إنني سأزف العريس، إن اليوم هو عرس ولدي الحبيب». حاولت الدخول إلى المشفى حيث جثمان ولدها، لكن دون جدوى، فلم يكن يسمح لها بذلك، فسألت الشابة الحارسة أن تدع الأم المفجوعة تلقي نظرة الوداع على فلذة كبدها، لكنها قالت لي بصوت حزين لم يبق من ولدها لا إصبع ولا شيء، لم يبق منه إلا أشلاءٌ من اللحم المفحم، نتيجة قصف الطيران الذي استهدفه. قلت لها فهمت، وعدت أدراجي بين الأهالي المفجوعين المنتظرين خروج جثامين أولادهم. للحديث تتمة…